الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
81
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمعنى : يوم يذكّر الإنسان فيتذكر ، أي يعرض عليه عمله فيعترف به إذ ليس المقصود من التذكر إلا أثره ، وهو الجزاء فكني بالتذكر عن الجزاء قال تعالى : اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [ الإسراء : 14 ] . وتبريز الجحيم : إظهارها لأهلها . وجيء بالفعل المضاعف لإفادة إظهار الجحيم لأنه إظهار لأجل الإرهاب . والجحيم : جهنم . ولذلك قرن فعله بتاء التأنيث لأن جهنم مؤنثة في الاستعمال ، أو هو بتأويل النار ، والجحيم كل نار عظيمة في حفرة عميقة . وبنى فعل بُرِّزَتِ للمجهول لعدم الغرض ببيان مبرّزها إذ الموعظة في الإعلام بوقوع إبرازها يومئذ . و لِمَنْ يَرى ، أي لكل راء ، ففعل يَرى منزّل منزلة اللازم لأن المقصود لمن له بصر ، كقول البحتري : أن يرى مبصر ويسمع واع والفاء في قوله : فَأَمَّا مَنْ طَغى رابطة لجواب ( إذا ) لأن جملة مَنْ طَغى إلى آخرها جملة اسمية ليس فيها فعل يتعلق به ( إذا ) فلم يكن بين ( إذا ) وبين جوابها ارتباط لفظي فلذلك تجلب الفاء لربط الجواب في ظاهر اللفظ ، وأما في المعنى فيعلم أن ( إذا ) ظرف يتعلق بمعنى الاستقرار الذي بين المبتدأ والخبر . و ( أمّا ) حرف تفصيل وشرط لأنها في معنى : مهما يكن شيء . والطغيان تقدم معناه آنفا . والمراد هنا : طغى على أمر اللّه ، كما دل عليه قوله : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ . وقدّم ذكر الطغيان على إيثار الحياة الدنيا لأن الطغيان من أكبر أسباب إيثار الحياة الدنيا فلما كان مسببا عنه ذكر عقبه مراعاة للترتب الطبيعي . والإيثار : تفضيل شيء على شيء في حال لا يتيسر فيها الجمع بين أحوال كل منهما . ويعدّى فعل الإيثار إلى اسم المأثور بتعدية الفعل إلى مفعوله ، ويعدّى إلى المأثور عليه بحرف ( على ) قال تعالى حكاية لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا [ يوسف : 91 ] ، وقد يترك ذكر